الثقافة والأدب

200 عام على ميلاد المفكر الروسي دوستويفسكي زيارة إعلامية لمتحفه في “سيمي” الكازاخي تكشف ابداعاته الأدبية والفلسفية والإنسانية

كازاخستان: كتب الدكتور عبد الرحيم إبراهيم عبد الواحد

بعد شهرين تقريبا، تصادف الذكرى الـ 200 عام على ميلاد المفكر والفيلسوف الروسي ميخايلوفيتش دوستويفسكي، اعظم الكتاب والمفكرين في العالم، الذي ترجمت أعماله الكاملة إلى اللغة العربية في 18 مجلدا، يحتوي على أكثر من 11 ألف صفحة، ففي 11 نوفمبر عام 1821 وُلد دوستويفسكي، في موسكو، من أسرة متدينة نبيلة، والذي قدمت للبشرية مؤلفات بقيت في وجدان وعقول المثقفين؛ لما تحتويه من أعمال إنسانية خالدة وفكر فلسفي عميق، ورفع من قيمة الإنسان مهما كان فقره وضيقه في وقت كانت الطبقية تطغى على الحياة بقسوتها التي لا تعرف الرحمة.

متحف دوستويفسكي الأدبي التذكاري  هو فخر  مدينة سيمي الكازاخية، حيث تمت إضافة مبنى أصلي به قاعة عرض ومكتبة وقاعة قراءة وقاعة محاضرات سينمائية إضافة إلى المنزل القديم الذي كان يعيش فيه الكاتب، ويوجد عند مدخل المتحف نصب تذكاري لـ Ch. Valikhanov و دوستويفسكي، والذي يجسد الصداقة بين الشعبين الروسي والكازاخستاني.

لمدة خمس سنوات – الثانية عشرة من حياته – عاش في كازاخستان، وخاصة في سيميبالاتينسك “سيمي”، عبقرية الأدب الروسي والعالمي إف إم دوستويفسكي، في تلك السنوات  اعتبر فيودور ميخائيلوفيتش أن سنوات الأشغال الشاقة في أومسك قد تم محوها من الحياة عندما “دُفن حياً وأغلق في نعش”.

 جمع المتحف صندوقًا قويًا من المعروضات، حيث يقوم موظفو المتحف بقدر كبير من العمل العلمي والتعليمي، وتنظيم الرحلات والمعارض والمحاضرات والمحاضرات السينمائية والأمسيات الأدبية.

في عام 1911، بعد 30 عامًا من وفاة الكاتب، تمت إعادة تسمية شارع كريبوستنايا، حيث كان يقع المنزل الذي عاش فيه. في عام 1965، عندما بدأ البناء في هذا الجزء من المدينة، ظل منزل دوستويفسكي سليمًا، فيما تقرر الاحتفاظ بها للأجيال القادمة، وفي عام 1968، زار حفيد الكاتب – أندريه فيدوروفيتش دوستويفسكي، مدينة سيميبالاتينسك، في ذلك الوقت لم يكن قد اقيم المتحف، لكن المكتبة وجدت في منزل دوستويفسكي، وتم الاحتفاظ الرسائل والمنشورات النادرة والوثائق المختلفة، وأصبحت هذه المواد هي التمويل الأساسي لمتحف المستقبل، واعتبر المتحف عضو في جمعية دوستويفسكي الدولية.

طفولته كان لها أكبر الأثر على توجهه في كل أعماله، فكان منزل أسرته بالقرب من مستشفى ماريانسكي للفقراء المعدمين، وأثناء لعب دوستويفسكي في حديقة المستشفى كان يشاهد المرضى وهم يتعذبون، ويرى الإهمال الذين كانوا يلقونه، وكل ذنبهم أنهم فقراء ومن الطبقة الدنيا، فتأثر بذلك تأثرا كان موجها لكل مساره في الأدب والإبداع وحياته عموما.

وذكر موقع “الحياة اليوم الإخباري الصادة في القاهرة، رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير محمود عبد الحلي، مقالا حول هذا المفكر الفذ، قالت فيه :”في الرابعة من عمره، علمته أمه القراءة والكتابة، ورباه أبوه وأمه على الأدب بأنواعه وفنونه، فقرأ لعظماء الأدب في العالم على مر العصور، ومنهم وبوشكين وديرزهافين، وآن رادكليف، وشيلر وجوته، ووالتر سكوت، كما قرأ ملاحم هوميروس، وغيرها من كلاسيكيات الأدب.

وكانت أول صدمة له عندما توفيت أمه يوم 27 سبتمبر عام 1837 بالسل. وفي شهر يناير 1838 التحق بمعهد نيكولايف للهندسة العسكرية، ولكنه كان يكره الدراسة العسكرية، ويفضل الرسم والهندسة المعمارية، حتى إنه كان ينقد الضباط الفاسدين، ويتحيز للفلاحين الفقراء، حتى لقبه زملاؤه بالكاهن فوتيوس.

وفي 12 أغسطس 1843، أصبح ضابطا مهندسا، وشهد نفس العام أول عمل أدبي لفيودور دوستويفسكي، وكان ترجمة لرواية أوجيني جراندي من تأليف أونوريه دي بلزاك، وترجم بعدها عددا من الأعمال.

ثم اتجه للتأليف، وكانت أول أعمال فيودور دوستويفسكي رواية “المساكين”، وأنهاها في مايو عام 1845، وقال عنها الناقد ذائع الصيت وقتها “فيساريون بلنسكي” إنها أول رواية اجتماعية روسية. وحققت الرواية نجاحا كبيرا.

كان دوستويفسكي يعي أن وظيفته العسكرية ستضر أعماله الأدبية؛ لذا قدمت استقالته، وبعدها ألف روايته الثانية “الشبيه”، والتي نشرت في فبراير عام 1846، وكان قد اعتنق المذهب الاشتراكي، من خلال قراءاته للكتاب الفرنسيين، ومنهم فورييه وكابيه وبرودون وسايمون. كما أنه تعمق في فلسفة الأفكار الاشتراكية من خلال الناقد صديقه بلنسكي، خاصة أن لديه خلفية منذ طفولته في مستشفى الفقراء المعدمين التي كانت بجوار بيتهم. وهو ما عبر عنه في روايته “الشبيه”، والتي لقيت في البداية نقدا سلبيا، ولكنه واصل الكتابة، رغم تدهور حالته الصحية، وأصدر مجموعات قصصية، منها السيد بروخارشين، وربة البيت، وقلب ضعيف، والليالي البيضاء، وكانت كـ “الشبيه” لم تحقق نجاحا.

ولم يتوقف، وكتب الجزء الأول من رواية “نيتوتشكا نزفا نوفنا”، ولكن لآرائه المناهضة للنظام، نفي، ولم يحاول تكملتها.

ولكنه واصل كتابة أعمال أخرى.

وصدر في عام 1956 طابع بريد أخضر عن دوستويفسكي، وفي عام 1971 افتتح متحف دوستويفسكي في الشقة التي كتب فيها رواياته الأولى والأخيرة. وسموا كوكبا صغيرا باسمه من اكتشاف عالم الفلك الروسي ليودميلا كاراشكينا عام 1981. وتم التصويت من خلال برنامج تليفزيوني على أن دوستويفسكي تاسع أعظم شخصية في تاريخ روسيا على مر العصور، وراء الكيميائي ديمتري مندليف وقبل إيفان الرابع.

وأقيمت تماصيل له في مختلف المدن الروسية والأوروبية، ومنها موسكو وسانت بطرسبرج ونوفوسيبيرسك وأومسك وسيميبالاتينسك وكوسنتسك وداروفوي وستارايا روسا وليوبلينو وتالين ودرسدن وبادن بادن وفيسبادن. وسميت محطة مترو باسمه في سانت بطرسبرج، وأخرى في موسكو في الذكرى الـ75 لافتتاح شبكة النقل في موسكو، وذلك يوم 19 يونيو 2010، وكسيت جدران محطة موسكو برسومات للفنان إيفان نيكولايف لمشاهد من أعمال دوستويفسكي.

في 7 مايو 1971، في المنزل الخشبي المحفوظ لساعي البريد ليابوخين، حيث استأجر دوستويفسكي شقة في 1857-1859، تم افتتاح متحف دوستويفسكي الأدبي والنصب التذكاري، وفي عام 1976، تم إجراء تجديد وتوسيع للمنزل القديم وفقًا لمشروع المهندس المعماري موسكو ف.ف فلاسوف، حيث تم وضع فكرة نصب الكتاب في الهندسة المعمارية للمبنى، المكون من طابقين على جانبين من الجدران، كما لو كانت مكونة من كتب نصف مفتوحة. تم تزيين جدران المبنى بتركيبات “The Writer’s Office” و “Petersburg of Dostoevsky” (الفنانين V. Gukasov، S. Shirokov، V. Odnokolkin).

وتشمل السلسلة التصويرية للمعرض الأدبي اللوحات الضخمة “الدم” و “العرق” و “الدموع” و “المقدمات” (الفنان جي في كوزليتين)، والتي تمثل أكثر المشاهد دراماتيكية من سيرة الكاتب وأبطاله. مركز المعرض هو تكوين “بيت الموتى”. تمثل الصور البارزة للمدانين الخارجين من شبكة خشبية منمقة العالم المتنوع للعمل الشاق، الذي يجمع بين القداسة والوحشية والروحانية العالية والسخرية.

ويحتضن المتحف صندوقًا كبيرًا، مما يجعل من الممكن إنشاء أكثر المعارض تنوعًا حول هذا الموضوع، بما يعني الإبداع متعدد الأوجه لـهذا الأديب الرائع، وهذا أيضًا انعكاس للسعي الروحي لـ الكاتب والفيلسوف في الأعمال الرسومية للفنانين، وهو أيضًا أحد المعارف مع العصور القديمة في سيميبالاتينسك. بالإضافة إلى ذلك، يضم متحف دوستويفسكي العديد من الأصدقاء الذين يسعون جاهدين لمشاركة مهاراتهم وحرفهم اليدوية مع جميع سكان المدينة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق