صناعة الخيول

القوميس الكازاخي ترياق طبيعي للكثير من الأمراض

تشكل الخيول جزءًا لا يتجزأ من حياة الشعب الكازاخي، حيث ترتبط لديهم الخيول بذكرياتهم عن انتصارات الآباء والأجداد وقت الحروب، كما أنهم كانوا يستخدمونها لحمل ونقل الأمتعة والبضائع أثناء التنقل والترحال، إلى جانب أن الشعب الكازاخي يُعد من الشعوب العاشقة للحوم الخيول؛ لما تتمتع به من مذاق طيب، وليس ذلك فحسب، بل يشرب الكازاخ لبن الخيول الذي يُعد المشروب الشعبي الأول.


وليس بالأمر الغريب مشاهدة الخيول وبأعداد كثيرة في سهول كازاخستان ووعرها، فطالما ارتبطت الخيول بحياة البداوة والترحال، وساهمت في كتابة تاريخ الكازاخ العريق.


خيول كازاخستان كانت وسيلة نقل وأداة حرب منذ عهود البداوة، مثلما هي الآن جزءًا أصيلاً من الرياضية الشعبية، ورمزًا للأصالة والتميز، بل إنها تشكل عماد المطعم الكازاخي من خلال تحضير لحومها للطعام، مثلما يُقدم حليبها للشرب بطريقة مميزة لا تجد لها مثيلاً إلا في بلاد الكازاخ، ويطلقون هنا على حليب الخيل اسم “القوميس”.
اكتشف فريق من علماء الآثار والباحثين في علم الحيوان، برئاسة البروفيسور البريطاني، الآن أوترام، في جامعة إكسيتر ببريطانيا، أن تربية الخيول وتدريبها تعود إلى منتصف القرن الرابع قبل الميلاد، وبدأت– منذ ذلك الحين– في شمال منطقة كازاخستان حاليًا.


واستند العلماء على تحليلهم لعظام الخيول المتفحمة التي عثر عليها في منطة “بوتاي” في كازاخستان الحالية، يمتاز لبن الخيل، ويسمى “قوميس”، بالخصائص العلاجية للأمراض المتعددة، ووفقًا لنتائج البحث في الحفريات التي قام بدراستها علماء آثار من السويد، فإن هذا المشروب العجيب استخدمه الكازاخ منذ حوالي 5500 عام، والشخصيات التاريخية المشهورة مثل المؤرخ القديم، هيرودوتوس، الذي عرف بلقب “أبو التاريخ”، والشاعر اليوناني القديم، هوميروس، قد كتبا في مؤلفاتهما عن حياة القبائل البدوية التركية “سكيف”، التي لم تكن لتستغني عن لبن الخيل طيلة حياتها، ووصفا المؤرخان طريقة تحضير هذا المشروب، وذكر الرحالة القديم ماركو بولو القوميس قائلاً: “إنه مشروب يصنع من لبن الخيل، ويمكن تشبيهه بالنبيذ الأبيض، أما الأطباء الإنجليز الذين خدموا في الجيش الروسي في القرن الثامن عشر، وهم: الدكتور جون جريف، والدكتور حابيرلين، والدكتور جورج كاريك فكتبوا عن الكثير في خواص القوميس العلاجية العالية القيمة، وطريقة تحضيره واستعماله، والحفاظ عليه، وفعاليته في علاج مختلف الأمراض الخطيرة في ذلك الوقت، مثل درن الرئة، والكلى، والعظام، وأمراض الجهاز الهضمي، كالمعدة والأمعاء والكبد وأمراض القلب، وأمراض الجهاز العصبي المركزي، ونقص الفيتامينات، وفقر الدم، والتهاب الشعب الهوائية، والروماتيزم، والعقم في السيدات، والعنة عند الرجال، وأمراض الجلد، مثل الجرب وكثيرًا من الأمراض الأخرى، وكان الدكتور حابيرلين مصابًا بدرن الرئتين، ولذلك كتب صفحات طويلة خاصة بوصف أعراض هذا المرض اللعين، واستعماله لأحسن الأدوية في ذلك الوقت، ولكن بلا أدنى فائدة أو تحسن، وأنقذه العقيد الروسي بطرس، بأن جعله يمكث في بيت أحد الفلاحين الروس، الذي كان يملك بعض الخيول، وخلال بضعة أشهر شرب فيها حابيرلين، بصفة دائمة، لبن الخيل حتى عاد إلى خدمته العسكرية في أتم الصحة والعافية، وظل خلال 13 عامًا لم ينقطع فيها عن تناول المشروب المذهل “القوميس”، الذي أنقذ حياته، وذلك في أثناء وجوده في الأراضي الروسية المعروفة حاليًا بجمهوريتي تاتارستان وباشكير توستان، اللتين تدخلان ضمن روسيا الاتحادية، ومن المعروف أيضًا أن الكاتب الروسي العظيم، تولستوي، والذي عاش سنوات طويلة، كان يتمتع فيها بصحة جيدة، قد زار مرارًا عدة مصحات خاصة بالعلاج بالقوميس؛ حيث يستمتع فيها المرضى بالتريض في جولات طويلة داخل الأماكن الطبيعية المفتوحة، والتي جعلته يمتدح هذا العلاج الفعال، وكتب تولستوي أنه قد استعاد صحته التي تحسنت تمامًا بعد وجوده لقرابة الشهرين في إحدى المرات التي زار فيها تلك المصحات، وشعوره التام بالارتياح وقوة الأعصاب.


ومن المعروف أن لبن القوميس غني بالعناصر الغذائية الرئيسية، علاوة على توافر الأحماض الأمينية الهامة، مثل: الليسين والتريبتوفين والأملاح المعدنية النادرة مثل: الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والحديد والفوسفور والماغنسيوم، والفيتامينات مثل: أ، ب، مركب ج، والهرمونات الحيوية مثل: الكورتيزون والبرولاكتين والتستوستيرون والإنسولين، واحتوائه على كل هذه العوامل تجعله محفزًا قويًا لأجهزة المناعة في الجسم، وذلك فهو يعتبر ترياقًا طبيعيًا للكثير من الأمراض.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق