غير مصنف

الظاهر بيبرس…أسطورة أهملها التاريخ

كثيرون هم عظماء الأمة الإسلامية الذين غيروا مجرى التاريخ، وسطروا العديد من المواقف والأعمال العظيمة، ومن بين هؤلاء السلطان الظاهر بيبرس، ومشواره البطولي الذي لم يستمر سوى ١٧ عاماً، وكان له أكبر الأثر في تغيير حركة التاريخ الإسلامي، وترسيخ بصمات واضحةٌ في مجالات عديدة.

    ولقد فرض واقع الذي يعيشه العالمين العربي والإسلامي علىَّ شخصياً، ضرورة استحضار شخصية الظاهر بيبرس ومدي الإهمال الذي تعرض له، وذلك في ظل انتشار حالة من اللغط في تفسير أحداث التاريخ، فمنهم من اعتمد على أسس منطقية وتاريخية وفعلية، ومنهم من ركز فقط على عنصر الإثارة والتشهير والسباب بألفاط لا تليق بألقابهم وصفاتهم…. فأتهموا رموز وقادة وأبطال ووصفوهم بأنهم سفاحون !!.

لذلك، ومن خلال سطور هذا الكتاب، سيرى القارىء العزيز، كيف تحولت سيرة هذا البطل الذي يُوصف بأنه رجل الدولة وصانع النهضة، إلى أسطورة شعبية إستمرت عشرات السنين تناقلها الأجيال، فلم يكن بيبرس قائداً عسكرياً فحسب، بل مصلحاً وراعياً للأمة ومطوراً للدولة اقتصادياً وإجتماعياً ودينياً وتنموياً.

هذا الكتاب محاولة لتصويب خطأ، بل خطيئة كبرى تدفع الأمة ثمنها، حين أقصينا الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداري من مكانه الطبيعي في مركز الذاكرة الجمعية، إلى الحواف، فمثله – ومن منظور موضوعي -لاينبغي أن يبرح الذاكرة الجمعية كأحد أعظم قادتنا عبر التاريخ الإسلامي، وهذا ما نسعى إليه عبر تلك الصفحات باستدعاء بيبرس إلى مركز الذاكرة.

لكن تصويب الخطيئة، ليس فقط  لنباهي به الأمم بأن تاريخنا المجيد يكتنز بطلاً مثله قاد الأمة في ظرف عصيب  لمواجهة أعتى قوتين على الكوكب، جحافل التتار الزاحفة من الشرق، والهمج الصليبي القادم من الغرب، ليحرز انتصارات هائلة، بفضلها تم إنقاذ الجغرافية الإسلامية من الخطرين غير المسبوقين.

لو اكتفينا بهذا فلن يكون كتابنا سوى حلقة أخرى من حلقات الزهو العاجز بأمجاد الماضي! إنما هدفنا استحضار بيبرس بعد أكثر من 740عاماً من رحيله ليجيبنا على سؤال حتمي: كيف يمكن مواجهة مخاطر وتحديات الحاضر التي لاتقل عن مخاطر وتحديات الماضي؟

وهذا يستدعي أن يكون استحضاره في سياق المناخات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها المنطقة العربية حالياً.

يقينا وكما يراها الكثير من النخب السياسية والأكاديمية العربية أنها مناخات لا تتطابق مع تلك التي عانت منها المنطقة العربية إبان الحقبة المغو-الصليبية، وهذا هو السياق الغالب الذي يجري تناوله عند الحديث عن رموز إسلامية بعينها اليوم.

لهذا من المفهوم أن يستمع أو يستحضر المراقب الهتافات الشعبية التي “تأمل” بعودة شخصية مثل صلاح الدين الأيوبي، أو الاحتفاء حد التقديس بشخصية مثل الظاهر بيبرس؛ استدعاءً للخلاص من الحالة الاستعمارية التي تعاني منها البلاد العربية، أو يمكن القول التبعية في أحسن الأحوال.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك وحسب، بل يتخطاه في استقصاء المعالجات التي قام بها مثل أولئك القادة؛ بحثًاعن الخلاص من الأزمات التي أصابت العرب على المستويين الرسمي والشعبي بما يشبه العجز.

 إلا أن هذا الاستقصاء والبحث ما زال شعبياً، ولم ينتقل الى الانظمة العربية والحكومات التي تكابد على العكس من ذلك لتهميش هذه الرموز، وحجب أصواتها،وفي الوقت نفسه تسعى لاستحداث رموز تروج لخطاب مغاير لأحلام شعوبها  لشعوبها، وذلك لأسباب سياسية بحتة!

وبهدف إعادة أمجاد هذا القائد التاريخي، بذل المؤلف الجهد الكبير من أجل الوصول إلى سطور هذا الكتاب، في زمن قياسي جداً، فيما سيجد القارىء المعلومات والأحداث التي يمكن من خلالها الوصول إلى قناعة معينة حول مكانة ودور الظاهر بيبرس وظروف حياته وكفاحه وانجازاته، سائلاً المولى عز وجل أن يكون هذا الكتاب علماً لكلّ مجتهدٍ ومشعلاً لكل مستنير ومنهلاً لكل ظامئ، وأن يتقبل منّا هذا الجهد ويحفظ لنا هذا العلم المعطاء ويديمه ذخراً لأمتنا الإسلامية.

وأعاد بيبرس الخلافة العباسية التي سقطت مع سقوط بغداد في يد هولاكو في، وهي الخطوة الثانية التي خطاها بعد أن استتب له الأمن. كما جسد خلال حكمه فضائل جليلة وبرهن عن مؤهلات وكفاءات تتجاوز ما يتصف به الحكام، وُصفت بعظمة لا جدال فيها، ولا تنال إلا بإنجازات فعلية، فكان أول من جلس للمظالم من سلاطين المماليك، فأقام دار العدل، وأقام عدة إصلاحات بالحرم النبوي، وجدد في الشام مسجد إبراهيم عليه السلام وقبة الصخرة وبيت المقدس، وأهتم بالزراعة فأنشأ مقاييس للنيل، وأقام الجسور، وحفر الترع، وأنشأ القناطر، واهتم بالصناعة وبخاصة ما يحتاج إليه الجيش من الملابس والآلات الحربية، وبنى جامعاً عظيماً عرف باسم جامع الظاهر بيبرس في القاهرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق