الفنون والموسيقى

الموسيقى

الموسيقى الكازاخية تربط الماضي والحاضر والمستقبل

من العصور القديمة إلى يومنا هذا، جاءت الأسطورة الكازاخية الشعبية عن الأصل الخارق للموسيقى والغناء والتي تقول بأن الأغنية الإلهية كانت تحلق عالياً في السماء فوق بدو السهول الكازاخية العظيمة ثم هبطت منخفضة جداً فسمعها الناس، وبذلك تمتعوا بحكم الطبيعة بموهبة وقدرات موسيقية عظيمة ومن هنا مقولة: “لقد وضع الله الموهبة في كل كازاخستاني منذ مولده”، ويوما بعد يوم وسنة بعد سنة، كما كان قديماً، تجمع الموسيقى  بين مختلف العصور والأجيال وتربط الماضي والحاضر والمستقبل.

 ليس من قبيل الصدفة ربما أن من شهد أسلوب الحياة الكازاخية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ليس من الدهشة والإعجاب أن يرى القدرة الملفتة للنظر في إبداع إرتجال موسيقي وشعري سريع ومشاركة واسعة في مجال الموسيقى لكل السكان من الأطفال إلى كبار السن.

ويتمتع الأطفال بالعزف على آلات النفخ الطينية وهي في متناول اليد للسيد أو الطفل وتأخذ أشكال غريبة للحيوانات و الطيور والأسماك والخيول وقد رُسمت بألوان زاهية وتغطت بطبقة لامعة. ورداً على أغاني الأطفال والألعاب الموسيقية وتهويدة الأم تعرف الأطفال على العالم من حولهم وأصبحوا أعضاء كاملي العضوية في مجمتعهم الإجتماعي والثقافي.

لقد أعطى المزيد من الحياة المستقلة الخبرة والمعرفة الفنية عن طريق المشاركة في ترفيه وألعاب الشباب مع المشاركة الإلزامية للموسيقى والأغاني الحوارية. “السن المبكرة” يثريها أغاني الحب ومجموعة متنوعة من الأغاني وطقوس الحفلات متعددة الزفاف الكازاخستاني وتوجد أنواع مختلفة من الموسيقى منها زارامي التي تشير لصدمة المعركة ودابايلا لإصطياد وحش أو خلال حملة عسكرية.

 في هذا الصدد “النضج” الذي يحمل الإتزان والخبرة تم تصميمه لإنجازات الحكومة والشئون العامة، “الشيخوخة” و “الحكمة” مصحوبة بالموسيقى والشعر لتوجيه الشباب والغناء والتأملات الفلسفية حول معنى الحياة والشباب الذي مضى بلا رجعة.

هذه كانت دورة الحياة الموسيقية للبدو الكازاخستاني والتي تتكرر بإستمرار من عام إلى آخر ومن جيل لجيل لضمان الأداء الكامل للتقاليد الموسيقية الشعبية ونتذكر الأبيات المعروفة لـ “ابايا العظيم”:

انفتحت الأبواب لك إلى عالم الأغنية

ترافق الأغنية أرض الرماد، تئن

أغنية- الرفيق الأبدي لأفراح الأرض

وقد تطور التراث الروحي للأمة حتى أوائل القرن العشرين في شكل غير مكتوب وتنقل “من فم إلى فم” من الأب إلى الابن ومن المعلم إلى تلميذه من الماضي إلى الحاضر، كما حدد الإقتصاد البدوي وشبه البدوي سلفاً الآلات الشعبية والتقاليد الموسيقية وحياة المجتمع الكازاخستاني التي لا تنفصل عن غيرها من أشكال الإبداع الفني الشفهي والشعري.

وكانت المرحلة المبكرة من تطور الموسيقى خاضعة تماماً لإحتياجات المجتمع البدوي القديم وكانت تصحبها احتفالات دينية وشخصية رئيسية، وعاشت في الذاكرة الشعبية أكثر من مائة حكاية وكل واحدة منها تكونت من آلاف الأبيات تؤدى بمصاحبة كوبيزيف وهي آلة موسيقية على شكل قوس مع خيطين من شعر الخيل.

تقدم الملاحم البطولية والغنائية اليومية من أنواع الفنون الشعبية المحبوبة جداً أمثال “كوبلاندي” و”الباميس” و”ارتارجين” و”كمبار” و” كيز” وغيرها، الأساطير والأحداث التاريخية والتاريخ الفعلي الكازاخستاني، حيث ظهر فيما بعد عينات قديمة من موسيقى الآلات، وأصل التقليدين الملحمي وموسيقى الآلات ارتبط في العقل الشعبي والتقاليد مع اسم القديس الأسطوري “كوركيت”.

 ومن أعمال كورك العظيمة التي تركها للأجيال القادمة “اسم الجمل المقدس” و”العجل المرقط” و”يا وطني” وغيرها، بعض هذه الأعمال تنقل صوت الحياة البرية وفيها تأمل فلسفي حول معنى الوجود والحياة والموت.

وتتضمن الأمثلة القديمة لموسيقى دابروا أسطورة تسوي مع أسماء الحيوانات والطيور مثل أكو أو “البجعة” و نار أو “الجمل” وتوجد أيضاً تسوي للمخلوقات الضعيفة سيئة الحظ مثل “الفتاة العرجاء” و”الحمار البري الأعرج” وكذلك تسوي لرثاء الطفل الغريق وصغار الحيوانات مثل “الدب محدد الخطوة” و”الرثاء” و”الفتاة اليتيمة” وغيرها. جميعها عبارة عن البقايا المحفوظة من الأشكال القديمة للدين والطوائف ولا تزال تحمل التاريخ الحي لآلاف السنين التي ولت في صمت.

فقط بحلول القرن التاسع عشر تحررت الموسيقى الكازاخية من سلاسل الدين والطقوس وبدأت تطور كإبداع فني مكتفي ذاتياً، هذه الفترة كانت حقاً نهضة روحية للأمة التي قدمت التقاليد الموسيقية الكبري للشعب، وعلى أراضي كازاخستان الواسعة ظهر العديد من الموسيقين المحترفين المحلين ومدارس أداء وكل منطقة كانت تقدم نوع من “التخصص” في تطوير تقاليد محددة وبالتالي فكان اقليم غرب كازاخستان منطقة مركزية لتطوير فن دابروا  ووسط كازاخستان هي بؤرة المسارات المهنية والمنطقة الجنوبية الغربية للحفاظ على وتطوير التقاليد الغنية للملحمة وتقاليد ايتيسا وفن الخصومة والارتجال. أسماء كثيرة مثل دينا وبرزاي وموسى واستايا وابرايا ومادي وابايا وغيرهم دخلوا التاريخ ليس فقط الكازاخي ولكن أيضاً الثقافة الموسيقية العالمية، تميزت أعمالهم بنمط الشخصية المشرقة وسمة الصور والموسيقى ووسائل تعبيرية للفخر وكلاسيكيات الثقافة الموسيقية الكازاخية.

براعة فنية شاملة

النشاط الإبداعي للموسيقين المحترفين في القرن التاسع عشر وكقاعدة عامة لا يقتصر على الأداء أو التأليف ولكن يشمل أيضاً جميع أنواع الأشكال الفنية كالإرتجال الشعري والخطابة وتقنية صوتية مصقولة وحيازة بارعة لآلة موسيقية وعناصر المسرح وأنشطة السيرك وقد اجتمع في سهول كازاخستان فنانين من موسيقين العصور الوسطى بأوروبا الغربية من البهلونات والشعراء المتجولين وغيرهم.

في القرن العشرين أثرت أشكال وأنواع موسيقية جديدة الثقافة الموسيقية الكازاخية وظهرت الموسيقى الكلاسيكية الأوربية كالأوبرا والسيمفونية والبالية وكونشيرتو الآلات والأنشودة والموسيقى الدينية والأوكيسترا والكورال وبدأ الموسيقيون المحترفون مدرسة جديدة تستند على الإبداع بأسلوب الكتابة، واستناداً على التركيب العضوي للأشكال الوطنية والأوربية لمحتوى الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ظهرت كلاسيكيات الأوبرا الكازخية وفي الستينات والسبعينات تصل البلاد إلى الذروة بواحدة من أصعب أنواع موسيقى الآلات الأوربية وهي السيمفونية وقد أحب الجمهور الوطني كورال وأوركسترا الموسيقى الكازاخية وخاصة الأوركسترا الإثنوغرافية التى نالت شعبية كبيرة.

 في المرحلة الحالية من التنمية في كازاخستان تشكلت بنية متفرعة من الثقافة الموسيقية حيث يمكن لكل شخص العثور على شيء يحبه، وبجانب الأداء والتلحين بالأساليب الأوربية استمر تطوير الأشكال التقليدية في صنع الموسيقى فمع موسيقى الروك والبوب والجاز الموسيقى الدينية والفولكلور والتقاليد الشفهية للشعوب التي تعيش في كازاخستان كاليوغور والكوريين والألمان والدونغان والروس والتتر. توجد في الجمهورية مجموعات فنية متنوعة مثل الأوركسترا السيمفوني والآلات الشعبية الكازخية والجوقة وفرقة الرقص الشعبي وفرق الجاز والآلات النحاسية وتعد كازخستان موطن العديد من الفنانين المتميزين للموسيقى الكلاسيكية من جميع أنحاء العالم أمثال توليجينوفا وايسيموفا ودانيشيف وأوباكيروفا ومهد النجوم الكازاخستانين بالخارج أمثال بيسنجاليفا والأخوات ناكيبكوفيا.

واليوم تشهد كازاخستان نشاطاً مكثفاً لمدرسة موسيقىية متخصصة للأطفال وتسمى “ألماتي كونسرفتوار” وتوجد مؤسسات موسيقية مثل الأكاديمية الوطنية للموسيقى في أستانا ودار الأوبرا والبالية ومعهد الأدب والفن ومؤسسات أخرى موسيقية وتعليمية وثقافية وعلمية، وكل عام تجمع كازاخستان الشباب الموهوبين في مهرجان “أيام الموسيقى الجديدة” والمسابقة الدولية “صوت آسيا” والموسيقيين الشعبيين في المهرجان الدولي للموسيقى التقليدية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى